الجاحظ
82
الحيوان
صاحبه ، وكأنّ التمساح ضرب الأسد بذنبه في الشريعة ، وضغم الأسد رأسه فماتا جميعا . قال : والفرس المائيّ بالنّيل يقتل التّماسيح ويقهرها ويأكلها ولا يساجلها الحرب ، ولا تقع بينهما مغالبة ومجاذبة ، وتكون الأيام بينهما دولا . فهذه فضيلة ظاهرة على الأسد ، وشرف فرس الماء راجع إلى فرس الأرض ، فإن كان فرس الأرض لا يقوى على الأسد ولا على النّمر ولا على الببر ، فإن ابن عمّه وشكله في الجنس قد قوي على التّمساح وهو رئيس سكان الماء . قالوا : أمّا واحدة فإن التمساح ليس برئيس سكان الماء إلا أن تريد بعض سكان الأودية والأنهار والخلجان والبحيرات في بعض المياه العذبة . والكوسج واللّخم والسّرطان والدّلفين وضروب من السباع مما يعايش السّمك ليس التمساح من بابه . وعلى أن التمساح إنما يأكله ذلك الفرس وهو في الماء ، وليس للتمساح في جوف الماء كبير عمل إلا أن يحتمل شيئا بذنبه ويحتجنه « 1 » إليه ، ويدخله الماء ، وربّما خرج إلى الأرض للسّفاد ولحضن البيض ، فلا يكون على ظهر الأرض شيء أذلّ منه . وذلّه على ظهر الأرض شبيه بذلّ الأسد في وسط الماء الغمر « 2 » . ولعمري أن لو عرض له هذا الفرس في الشرائع فغلبه لقد كان ذلك من مفاخره ، فلذلك لم تذكر الخيل في باب الغلبة ، والقتال والمساجلة ، والانتصاف من الأعداء . والفرس قد يقاتل الفرس في المروج إذا أراد أن يحمي الحجور ، كما يحمي العير العانة ويقاتل دونها كلّ عير يريد مشاركته فيها ، وهذا شيء يعرض لجميع الفحولة في زمن الهيج . وقد يصاول الجمل الجمل فربّما قتل أحدهما صاحبه ، ولكنّ هذه الفحولة لا تعرض لشيء من الحيوان في غير هذا الباب . وإن أراد الفرس أسد ، فليس عنده من إحراز نفسه وقتل عدوّه ما عند الجاموس ، فإن فضله الجاموس بقرنيه ، فإن السّلاح الذي في فم الفرس لو استعمله لكان سلاحا ، ولو استدبر الأسد فركله ورمحه وعضّه بفيه ، لكان ذلك ممّا يدفع عنه ويحمي لحمه . وليس للجاموس في أظلافه وفي يديه ورجليه وفي فمه سلاح ، فقد دلّت الحال على أنّ مدار الأمر إنّما هو في شجاعة القلب .
--> ( 1 ) الاحتجان : الضم والإمساك . ( 2 ) ربيع الأبرار 5 / 438 .